محمد علي القمي الحائري

90

المختارات في الأصول

والمقصود من هذه القضيّة ان العقل إذا فهم تمام ما هو المناط والمصلحة في فعل بحيث لا يغيب عنه شيء لا محالة يحكم بان الحكم كذلك عند الشّرع لأنه لا يأمر بالقبيح ولم ينه عن الحسن فيكون العقل دليلا على ثبوت الحكم الشرع هنا مستنبطا من الحكم العقلي وتحقيق المقام ان التكليف من الشارع وارادته الفعل تشريعا ليس دائرا مدار حسن الفعل وقبحه فقط بل لا بد هنا من خصوصيّة أخرى وتوضيحه انّ الفعل ربما يكون مشتملا على المصلحة الملزمة التامة إلّا انه هنا مانع عن ارادته تشريعا والتكليف به كذلك كما في أوائل البعثة بداهة ان جميع الواجبات المأمور بها في الشريعة من الصّلاة والخمس والزّكاة والصّوم كان فيها من المصالح الملزمة حال البعثة ولكنه كان في اوّل البعثة مانع عن ارادتها والبعث عليها ولذلك أوجبه وبعث عليها شيئا فشيئا إلى أن أكمل الدّين وتمت النعمة بل اقتصر في اوّل الامر بقول لا إله الّا اللّه تفلحوا مع أن المحرمات الثّابتة والواجبات على ما هي عليها من الحسن والقبح فالمانع عن التكليف هو المانع عن الإرادة والبعث والزجر الفعليين فمجرّد المصالح والمفاسد والحسن والقبح الكامنتين في الافعال غير مقتض التكليف الفعلي والزجر والبعث كذلك ومن تامّل في تضاعيف الأحاديث الواردة عن الأئمة سلام الله عليهم يقطع بعدم الملازمة بين البعث والزجر والمصلحة قال صلّى اللّه عليه وآله لولا ان أشق على أمتي لامرتهم بالسّواك والعسر والحرج رافعان لأصل الجعل قال اللّه تعالى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فيدفع الصّوم بمشقة يسيرة إلى غير ذلك من الموارد ومما يوضح ان الأحكام الواقعية ليس المناط فيها هو المصلحة الملزمة في الفعل والمفسدة الملزمة في الترك فقط ان الفعل الكذائي قد يكون مشترطا بشرط كالبلوغ مثلا الايذاء لا يتفاوت الحال فيه في كونه ظلما ومحرما عند العقل قبل البلوغ بساعة أو بعده وكذا بالنّسبة إلى غير البالغ العاقل الفطن الزّكى والبالغ العاقل الغبي وكذا الصّلاة بالنسبة اليهما فحسن الفعل المدرك عند العقل لا يكون هذا المدرك بالوجدان علّة تامة ومدركا للحكم الشرعي فاختلف ما هو مدرك الحكم عند العقل مع ما هو المدرك عند الشرع وأيضا قد لا يمكن للشارع الحكم على وفق حكم العقل وعدم قابلية المورد له كما في أوامر الإطاعة حيث إن وجوبها عقلي مع امتناع حكم الشرع بوجوبها مولويا اثرى ان المكلّف يعاقب بعقابين لو خالف امر الصّلاة وتركها إذ تبركها خالف أوامر الإطاعة وهكذا الحال في وجوب اتباع العقل وحجيته فإنه حكم عقلي صرف لا مجال لحكم الشرع